أحمد زكي صفوت

122

جمهرة خطب العرب في عصور العربية الزاهرة

وحمى عيرات « 1 » قريش لهاشم ، وإن أول من سقى بمكة عذبا ، وجعل باب الكعبة

--> - كذلك ، حتى ركب هاشم بن عبد مناف إلى الشأم ، فنزل بقيصر ، فكان يذبح كل يوم شاة ، ويصنع جفنة ثريد ، ويجمع من حوله فيأكلون ، وكان هاشم من أجمل الناس وأتمّهم ، فذكر ذلك لقيصر ، فقيل له : هاهنا رجل من قريش يهشم الخبز ثم يصب عليه المرق ويفرغ عليه اللحم - وإنما كانت العجم تصب المرق في الصّحاف ثم تأتدم بالخبز - فدعا به قيصر ، فلما رآه وكلمه أعجب به ، فكان يبعث إليه في كل يوم ، فيدخل عليه ويحادثه ، فلما رأى نفسه تمكن عنده ، قال له : « أيها الملك إن قومي تجار العرب ، فإن رأيت أن تكتب لي كتابا تؤمّن تجارتهم فيقدموا عليك بما يستطرف من أدم الحجاز وثيابه فتباع عندكم فهو أرخص عليكم » فكتب له كتاب أمان لمن يقدم منهم ، فأقبل هاشم بذلك الكتاب ، فجعل كلما مرّ بحيّ من العرب بطريق الشأم أخذ من أشرافهم إيلافا - والإيلاف أن يأمنوا عندهم في أرضهم بغير حلف ، إنما هو أمان الطريق - وعلى أن قريشا تحمل إليهم بضائع ، فيكفونهم حملانها ، ويؤدون إليهم رؤوس أموالهم وربحهم ، فأصلح هاشم ذلك الإيلاف بينهم وبين أهل الشأم حتى قدم مكة ، فأتاهم بأعظم شيء أتوا به بركة ، فخرجوا بتجارة عظيمة ، وخرج هاشم معهم يجوّزهم ؛ يوفيهم إيلافهم الذي أخذ لهم من العرب ، حتى أوردهم الشأم ، وأحلهم قراها ، ومات في ذلك السفر بغزة ، وخرج المطلب بن عبد مناف إلى اليمن ، فأخذ من ملوكهم عهدا لمن تجر إليهم من قريش ، وأخذ الإيلاف كفعل هاشم ، وكان المطلب أكبر ولد عبد مناف ، وكان يسمى الفيض ، وهلك بردمان من اليمن ، وخرج عبد شمس بن عبد مناف إلى الحبشة فأخذ إيلافا كفعل هاشم والمطلب ، وهلك عبد شمس بمكة فقبره بالحجون ، وخرج نوفل بن عبد مناف ، وكان أصغر ولد أبيه ، فأخذ عهدا من كسرى لتجار قريش ، وإيلافا ممن مر به من العرب ، ثم قدم مكة ورجع إلى العراق فمات بسلمان ، واتسعت قريش في التجارة في الجاهلية وكثرت أموالها ، فبنو عبد مناف أعظم قريش على قريش منّة في الجاهلية والإسلام » - ذيل الأمالي ص 204 . ( 1 ) العير بالكسر الإبل تحمل الميرة : بلا واحد من لفظها ، أو كل ما امتير عليه إبلا كانت أو حميرا أو يغالا وجمعه كعنيات ويسكن .